أحمد بن علي القلقشندي
55
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ليثيب ، ويأمرنا بالدعاء ليجيب ؛ فتحرّكنا حركات ساعدها - وللَّه المنة - السعد ، وتولَّى أمرها ونصرتها من له الأمر من قبل ومن بعد . ففتحنا مدينة برغة ( 1 ) الفاصلة كانت بين البلاد المسلمة ، والشّجا المعترض في نحر الكلمة ؛ وتبعتها بنات كنّ يرتضعن أخلاف درّتها ( 2 ) ، ويتعلَّقن في الحرب والسّلم بأرزتها . ثم نازلنا حصن آش ( 3 ) ، ركاب الغارات الكافرة ، ومستقرّ الشوكة الوافرة ، فرفع اللَّه إصره ( 4 ) الثقيل ، وكان من عثرة الدّين فيه المقيل . ثم قصدنا مدينة الجزيرة ( 5 ) بنت حاضرة الكفر ، وعرين الأسود الغلب وكناس الظَّباء العفر ؛ فاستبحناها عنوة أضرمت البلاد نارا ، ودارت بأسوارها المنيعة سوارا ، واستأصلنا أهلها قتلا وإسارا ، وملأت الأيدي من نقاوة ( 6 ) سبي تعدّدت آلافه ، وموفور غنم شذّت عن العبارة أوصافه . ثم كانت الحركة إلى مدينة جيّان ( 7 ) وشهرتها في المعمور ، وشياع وصفها
--> ( 1 ) لم نعثر على هذه المدينة في معاجم البلدان التي بين أيدينا . ( 2 ) الخلف : حلمة الضرع . والمراد : تبعتها مدن صغيرة كن يعتمدن عليها ويعشن على خيراتها . ( 3 ) المقصود مدينة آش ، وكانت مسوّرة تشبه الحصن . وهي وادي آش أو « وادياش » Quadix ، كانت في التقسيم الإدارى الأندلسي تابعة لكورة « إلبيرة » ( وهي غرناطة ) وتقع على السفح الشمالي لجبل الثلج Sierra Nevada الذي يسمى أيضا جبل شُلَيْر Solarius واسمها معرّب عن اللاتينية Acci ، كانت أيام القوط مركزا لأسقفية تسمى كرسي أكشبي ، وتقع على نهير كان يسمى باسمها أيام العرب ، ويسمى الآن Rio Fardes . ( الروض المعطار : 614 ومعجم البلدان : 1 / 197 والحلة السيراء : 2 / 354 حاشية ) . ( 4 ) الإصر : العهد المؤكد ، والثقل وهو المقصود . ( 5 ) وهي الجزيرة الخضراء وتسمى أيضا جزيرة أم حكيم . ( انظر صفة جزيرة الأندلس : 73 ) . ( 6 ) النقاوة من الشيء : خياره وخلاصته . ( 7 ) مدينة بالأندلس ، بينها وبين بيّاسة ستون ميلا . قال بروفنسال عن الحميري : وهي كثيرة الخصب رخيصة الأسعار كثيرة اللحوم والعسل ؛ ولها زائد على ثلاثة آلاف قرية ، كلها يربى فيها دود الحرير ، وبها جنات وبساتين ومزارع ؛ وعلى ميل منها نهر بلَّون وبها مسجد جامع وعلماء جلَّة . ( صفة جزيرة الأندلس : 70 ) .